تدخل المواجهة على الموارد المائية في شرق أفريقيا أخطر مراحلها، مع إعلان إثيوبيا خططًا لبناء ثلاثة سدود جديدة لتوليد الطاقة الكهرومائية على حوض النيل الأزرق.
ويرى إنريكي فرنانديز، كاتب التقرير في موقع أتالايار، أن تحركات أديس أبابا، إلى جانب سعيها للحصول على منفذ بحري عبر إقليم أرض الصومال، دفعت القاهرة إلى تعزيز استعداداتها العسكرية، بما في ذلك تجهيز قواتها الجوية لتنفيذ عمليات بعيدة المدى.
بالنسبة إلى أكثر من 110 ملايين مصري يعيشون في شريط ضيق يغلب عليه الجفاف، فإن تراجع تدفق مياه النيل لا يمثل مجرد تحدٍ تنموي، بل يهدد الأمن الغذائي والمائي للدولة.
وبعد عقد من القمم والمفاوضات الدبلوماسية التي أخفقت في التوصل إلى اتفاقات ملزمة بشأن سد النهضة الإثيوبي، خصوصًا مع مذكرة التفاهم التي تسعى إثيوبيا من خلالها إلى تأمين منفذ بحري عبر إقليم أرض الصومال، وضعت وزارة الدفاع المصرية والقيادة العسكرية خططًا عملياتية للتعامل مع التصعيد المحتمل.
ترسانة القاهرة للضربات بعيدة المدى
يتطلب تنفيذ عملية عسكرية على مسافة آلاف الكيلومترات من الأراضي المصرية امتلاك قدرات متخصصة، وهو ما دفع القاهرة خلال العقد الماضي إلى توسيع ترسانتها العسكرية. وتتقدم مقاتلات رافال الفرنسية القوة الضاربة في سلاح الجو المصري، وتحمل صواريخ SCALP-EG الجوالة، وهي النسخة الفرنسية من صاروخ «ستورم شادو» البريطاني.
ويطير هذا السلاح الموجه بالأقمار الصناعية على ارتفاع منخفض، ويتجاوز مداه العملياتي 400 كيلومتر، ما يتيح للطيارين المصريين استهداف منشآت محصنة دون اختراق نطاق الدفاعات المعادية من رادارات وبطاريات صواريخ أرض جو.
وتعمل إلى جانب مقاتلات رافال ذخائر AASM Hammer الموجهة بدقة، والمصممة لاستهداف شبكات الكهرباء ومنشآت الضخ ومحطات التحويل. كما تعزز عشرات المقاتلات الروسية MiG-29M/M2 المسلحة بصواريخ Kh-31 هذه القدرات، إلى جانب الأسطول الكبير من مقاتلات F-16 الأميركية الصنع.
وعلى المستوى البحري، تمتلك مصر قدرة توصف بأنها الأبرز على مستوى القارة الأفريقية، بفضل حاملتي المروحيات الهجوميتين البرمائيتين من طراز ميسترال، وهما «جمال عبد الناصر» و«أنور السادات»، اللتان اشترتهما القاهرة من فرنسا وتستخدمهما كقواعد عمليات عائمة مكتفية ذاتيًا.
وتستطيع هذه المنصات نقل مركبات مدرعة ووحدات من مشاة البحرية ومروحيات هجومية ثقيلة من طرازي Ka-52 Alligator وApache AH-64D. ولتأمين تحركها عبر البحر الأحمر وخليج عدن، تستخدم البحرية المصرية فرقاطات FREMM وطرادات Gowind وأربع غواصات هجومية تعمل بالديزل والكهرباء من طراز Type 209، القادرة على فرض حصار بحري وإطلاق صواريخ Harpoon المضادة للسفن.
أما العمليات الخاصة، فتُسند إلى الوحدة 999، وهي قوة نخبة متخصصة في التسلل خلف خطوط الخصم وتنفيذ عمليات التخريب والاستطلاع وجمع المعلومات عن الأهداف عالية القيمة.
تصعيد عسكري ورسائل متبادلة بين القاهرة وأديس أبابا
تجاوزت التحذيرات المصرية حدود الخطاب الدبلوماسي لتأخذ طابعًا عسكريًا أكثر وضوحًا. وأكد وزير الدفاع المصري، الفريق أول عبد المجيد صقر، للقوات المسلحة أن الجيش المصري يمتلك القدرة العملياتية والصلاحية الدستورية للتدخل حيثما تعرض الأمن القومي للخطر.
وشدد المتحدث العسكري المصري العقيد غريب عبد الحافظ على أن انتشار القوات المصرية في منطقة القرن الأفريقي لا يندرج ضمن استعراض القوة، وإنما يعكس تنفيذًا فعليًا لخطوط حمراء محددة. كما لخص رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي الموقف بصورة حاسمة أمام مؤسسة الرئاسة المصرية، مؤكدًا أن أي طرف لا ينبغي أن يعتبر نفسه بمنأى عن قدرة القوات المصرية، لأن المساس بمياه النيل يمثل تهديدًا وجوديًا للدولة.
وردت أديس أبابا سريعًا وبلهجة حازمة. وحذر المشير برهانو جولا، رئيس هيئة الأركان العامة لقوة الدفاع الوطني الإثيوبية، من أن أي محاولة لتعطيل مشروعات المياه الإثيوبية ستواجه بالقوة العسكرية. وأكد استعداد قواته للدفاع عن البنية التحتية الوطنية بكل الوسائل، متهمًا القاهرة بمحاولة تطويق إثيوبيا عبر استخدام الصومال قاعدةً للعمليات.
ورغم أن الخطاب العسكري المتبادل يرفع مستوى التوتر، فإن استهداف سد النهضة الإثيوبي مباشرة يظل خيارًا بالغ الخطورة، بسبب التداعيات الإنسانية والبيئية المحتملة على السودان ومصر.
لماذا لا يمثل تدمير سد النهضة الخيار الأكثر ترجيحًا؟
تدور تكهنات واسعة حول إمكانية تنفيذ ضربة جوية ضخمة تستهدف الجدار الرئيسي لسد النهضة، إلا أن المهندسين العسكريين يستبعدون هذا السيناريو بسبب حجم الدمار الكارثي الذي قد ينجم عنه. ويحتجز خزان السد عشرات المليارات من الأمتار المكعبة من المياه، وقد يؤدي انهيار بنيته إلى فيضانات هائلة متدفقة، تغمر مناطق سودانية وتدمر أجزاء من الخرطوم، فضلًا عن تهديد السد العالي في أسوان.
وبدلًا من استهداف جسم السد الرئيسي، تتركز خيارات الضربات المحتملة، وفق التقرير، على منشآت ثانوية وحيوية، من بينها الأعمال التأسيسية للسدود الثلاثة الجديدة، وبوابات تصريف المياه، ومنشآت التوربينات، وأبراج نقل الكهرباء، بهدف تعطيل قدرة إثيوبيا على توليد الطاقة دون التسبب في كارثة مائية خارجة عن السيطرة.
وتبقى المسافة اللوجستية، التي تتجاوز 2000 كيلومتر ذهابًا وإيابًا، من أبرز العقبات أمام أي عملية جوية مصرية. وتسعى القاهرة إلى التغلب على هذا التحدي عبر قاعدة برنيس العسكرية الاستراتيجية الواقعة على ساحل البحر الأحمر، والتي تتيح للمقاتلات والسفن الحربية التحرك جنوبًا مع هوامش أكبر للوقود وزمن أقصر لإعادة التزود والاستعداد.
ولا تعتمد القاهرة على الضربات الجوية بعيدة المدى وحدها، إذ عملت على بناء شبكة إقليمية للضغط على إثيوبيا. وأبرمت مصر اتفاق دفاع ثنائي مع الحكومة الفيدرالية الصومالية، ونشرت أفرادًا ومركبات مدرعة ومنظومات مضادة للطائرات في الأراضي الصومالية بالقرب من الحدود الإثيوبية. وفي الوقت نفسه، عمقت القاهرة علاقاتها الاستراتيجية مع إريتريا، وحافظت على قنوات تنسيق عملياتية مع القوات المسلحة السودانية.
وردت إثيوبيا بتعزيز دفاعاتها الجوية باستخدام منظومات Pantsir روسية الصنع ورادارات للإنذار المبكر، إلى جانب بناء قدراتها على اعتراض الأهداف الجوية اعتمادًا على طائرات مسيرة قتالية من طراز Bayraktar TB2 التركية، ومنظومات Mohajer-6 الإيرانية وطائرات Wing Loong الصينية، وهي منظومات لعبت دورًا بارزًا خلال حرب تيغراي.
وقد يتجاوز خطر التصعيد حدود مصر وإثيوبيا والسودان، إذ قد يؤدي أي اشتباك بحري أو عسكري بالقرب من مضيق باب المندب إلى ارتفاع حاد في تكاليف التأمين البحري وتهديد حركة السفن التجارية المتجهة نحو قناة السويس، بما ينعكس مباشرة على حركة التجارة الدولية.
ويضع هذا السيناريو أطرافًا إقليمية أخرى، وفي مقدمتها الإمارات، أمام معادلة دبلوماسية معقدة، في ظل تقديم أبوظبي دعمًا ماليًا بمليارات الدولارات لمصر، بالتوازي مع إدارتها امتيازات موانئ في أرض الصومال واحتفاظها بشراكات اقتصادية مهمة مع أديس أبابا.
ومع احتمال أن يؤدي أي تصعيد واسع إلى موجات نزوح ولجوء جديدة في منطقة تعاني أصلًا هشاشة أمنية وإنسانية، يظل نزاع مياه النيل واحدًا من أخطر بؤر التوتر الجيوسياسي في القارة الأفريقية.
https://www.atalayar.com/en/articulo/politics/war-over-the-nile-the-exact-weapons-egypt-is-considering-to-strike-ethiopia/20260817155936228407.html

